محمد عبد الكريم عتوم

232

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

سلطان لتنفيذ ما تقرره من خيارات . فبالرغم من تكييف الرئاسة كنيابة وتمثيل للأمة من خلال الحاكم ، كي ينفذ أرادتها السياسية ، إلا أن ذلك التكييف سرعان ما تتلاشى مقتضياته بما تُمنع منه الأمة من حقوق الاختيار لصالح الإمام . وعلى سبيل المثال فإنه إذا كان أوسع ما يشمل الأمة من حقوق الاختيار أن تختار الرئيس الذي يُولّى عليها ، فإن الرأي الشائع في الفقه السياسي ، أن هذا الحق ليس بحق لأكثر أفرادها ، إذ هو حق محجوب عن النساء وعوام الناس وأهل الذمة ، وقد يزداد الأمر ضيقاً عند بعض الفقهاء حتى ينحصر في أفراد معدودين من الأمة ، وعلى هذا تقاس حقوق الاختيار الأخرى . وقد استحدث الفقه السياسي لتضييق سلطان الأمة في إنفاذ إرادتها وسيلتين فعّالتين هما : أهل الحلّ والعقد ، والشوكة . أما أهل الحل والعقد ، فقد تقرر في الفقه السياسي أن أمور الأمة في الاختيار موكولة إلى فئة قليلة منها تسمى بأهل الحل والعقد ، وهو مصطلح غير محدد المعالم ، وقد ينتهي مدلوله في بعض الأحيان إلى الرجل الواحد كما أشار إلى ذلك إمام الحرمين ( الجويني ، في غياث الأمم ) ، حينما جعل الإمامة قد تنعقد للإمام بمبايعة رجل واحد ، إذا كان مطاعاً في قومه قادراً على نصرة الإمام وحمايته " وأقرب المذاهب ما ارتضاه القاضي أبو بكر وهو المنقول عن شيخنا أبي الحسن رضي الله عنهما وهو أن الإمامة تثبت بمبايعة رجل واحد من أهل العقد " ( الجويني ، 54 ) . إننا نكاد ننتهي من قراءة أهل الحل والعقد في الفقه السياسي إلى تقرير أنها بمفهومها التاريخي ليست إلا حكماً يسحب من الأمة سلطانها ليغري الإمام بالاستبداد هذا بالإضافة إلى أن هذا المفهوم هو مفهوم نخبوي انتقائي يحرم عامة الناس ، وهذا يخالف مفهوم التعاقد والوكالة . وأما الشوكة فالمقصود بها الغلبة العسكرية ، وهي آلية أضحت عند الكثير من الفقهاء وسيلة لإهدار سلطة الأمة وتنصيب الغلبة العسكرية محلّها ، بحيث يصبح الإمام منتصباً في موقع الإمامة ، ومتصرفاً في شؤون الأمة لا عن إرادة منها ، بل عن غلبة قهرية بقوة السلاح ، وقد أقرها معظم فقهاء السنة كما سبق ذكره . وبالرجوع إلى نصوص الوحي ، نجد أن الأمة هي صاحبة السلطان في سياسة أمورها ، وهو ما يبدو في تقرير مبدأ الشورى على وجه الإلزام ، وفي تكرير الخطاب للأمة بأن تتولى أمورها بيدها ، ولا يوجد في هذه النصوص ما يشير إلى إحالة سلطانها إلى أهل الحل والعقد أو إلى